الحسين حنين
يشهد قطاع السينما والسمعي البصري بالمغرب خلال السنوات الأخيرة دينامية متزايدة تعكس الرغبة في تعزيز موقع المملكة ضمن الخريطة العالمية للإنتاج السينمائي. وفي هذا الإطار، يأتي إصدار الدليل الرسمي للتصوير السينمائي ونظام الاسترجاع النقدي (Cash Rebate) ليشكل خطوة جديدة تهدف إلى تقديم رؤية أكثر وضوحاً للمستثمرين والمنتجين الدوليين الراغبين في إنجاز أعمالهم داخل المغرب.
هذا الدليل لا يقتصر على كونه وثيقة تعريفية فقط، بل يمثل أداة عملية تساعد شركات الإنتاج الأجنبية على فهم مختلف المساطر المرتبطة بالتصوير في المغرب، سواء ما يتعلق بالإجراءات الإدارية أو شروط الاستفادة من نظام التحفيز المالي الذي يسمح باسترجاع نسبة مهمة من النفقات المنجزة داخل المملكة.
وقد أصبحت هذه الآليات التحفيزية من بين أبرز الأدوات التي تعتمدها الدول لاستقطاب الإنتاجات السينمائية الكبرى، نظراً لما توفره من فرص اقتصادية مهمة، سواء من حيث خلق فرص الشغل أو تنشيط القطاعات المرتبطة بالصناعة السينمائية، مثل الخدمات اللوجستيكية والسياحة والتقنيات السمعية البصرية.
ويحظى المغرب في هذا المجال بسمعة دولية راسخة، اكتسبها عبر عقود من استقبال الإنتاجات الأجنبية الكبرى، مستفيداً من تنوع طبيعي وجغرافي فريد، ومن بنية مهنية راكمت خبرة معتبرة في مواكبة المشاريع السينمائية الدولية.
غير أن جاذبية المغرب كوجهة للتصوير لا ترتبط فقط بتوفر المناظر الطبيعية أو التحفيزات المالية، بل تعتمد أيضاً على وجود منظومة مهنية متماسكة قادرة على مواكبة هذه المشاريع وضمان ظروف إنتاج ملائمة تحترم المعايير الدولية.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للمنتجين المغاربة باعتبارهم الفاعل الأساسي في الربط بين الشركات الأجنبية والمنظومة الإنتاجية الوطنية. فالمنتج المحلي لا يمثل فقط شريكاً تقنياً، بل يشكل أيضاً حلقة وصل حاسمة لفهم البيئة القانونية والإدارية، وتسهيل مختلف مراحل الإنتاج.
كما أن تعزيز حضور المغرب في أسواق الفيلم الدولية يشكل رافعة استراتيجية للترويج للمملكة كوجهة مفضلة للتصوير السينمائي. فهذه الأسواق، التي تنظم على هامش المهرجانات الكبرى، تمثل فضاءات مهنية حقيقية لعقد الشراكات الإنتاجية والتفاوض حول المشاريع المستقبلية.
ومن هنا تبرز أهمية اعتماد مقاربة تقوم على إشراك مختلف الفاعلين المهنيين إلى جانب المؤسسات الرسمية في عمليات الترويج الدولي للصناعة السينمائية المغربية، بما يسمح بتقديم صورة أكثر واقعية عن الإمكانات التي يتوفر عليها القطاع.
فالتجارب الدولية تؤكد أن الثقة التي يبنيها المستثمر الأجنبي غالباً ما ترتبط بعلاقته المباشرة مع المنتجين والمهنيين المحليين، الذين يمتلكون الخبرة الميدانية والقدرة على تدبير المشاريع وفق خصوصيات كل بلد.
وفي المقابل، يظل تطوير الصناعة السينمائية الوطنية رهيناً بالحفاظ على توازن دقيق بين استقطاب الإنتاجات الأجنبية وتشجيع الإنتاج المحلي، لأن قوة أي منظومة سينمائية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات الخارجية، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج أعمال وطنية قادرة على المنافسة والتأثير الثقافي.
إن المغرب يتوفر اليوم على إمكانات كبيرة تؤهله ليصبح مركزاً إقليمياً مهماً في مجال الإنتاج السينمائي والسمعي البصري. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب رؤية استراتيجية تقوم على الشراكة بين الدولة والمهنيين، وعلى الاستثمار في الكفاءات الوطنية والبنيات التحتية المرتبطة بالصناعة السينمائية.
وفي هذا الإطار، تظل الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام حريصة على مواكبة كل المبادرات التي من شأنها تعزيز مكانة المغرب داخل السوق السينمائية الدولية، والعمل في الوقت ذاته على الدفاع عن مصالح المهنيين المغاربة، باعتبارهم ركيزة أساسية في بناء مستقبل السينما الوطنية.




